الغزالي
103
إحياء علوم الدين
الألباب بتعريف ما أعدت له ، هذا ان لم يصرح به الخالق تعالى على لسان رسوله صلَّى الله عليه وسلم بالمراد حيث قال تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فكيف وقد صرح بالأمر ، وباح بالسر . فكل ممتنع عن النكاح معرض عن الحراثة ، مضيع للبذر ، معطل لما خلق الله من الآلات المعدة ، وجان على مقصود الفطرة والحكمة المفهومة من شواهد الخلقة ، المكتوبة على هذه الأعضاء بخط إلهي ، ليس برقم حروف وأصوات ، يقرؤه كل من له بصيرة ربانية نافذة في إدراك دقائق الحكمة الأزليه . ولذلك عظم الشرع الأمر في القتل للأولاد ، وفي الوأد ، لأنه منع التمام الوجود . وإليه أشار من قال العزل أحد الوأدين فالناكح ساع في إتمام ما أحب الله تعالى تمامه والمعرض معطل ومضيع لما كره الله ضياعه . ولأجل محبة الله تعالى لبقاء النفوس ، أمر بالاطعام وحت عليه ، وعير عنه بعبارة الفرض فقال * ( من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً « 1 » فان قلت : قولك ان بقاء النسل والنفس محبوب ، يوهم ان فناءها مكروه عند الله ، وهو فرق بين الموت والحياة ، بالإضافة إلى إرادة الله تعالى ، ومعلوم ان الكل بمشيئة الله وأن الله غنى عن العالمين ، فمن أين يتميز عنده موتهم عن حياتهم ، أو بقاؤهم عن فنائهم ؟ - فاعلم أن هذه الكلمة حق أيريد بها باطل . فان ما ذكرناه لا ينافي إضافة الكائنات كلها إلى إرادة الله خيرها وشرها ، ونفعها وضرها ، ولكن المحبة والكراهة يتضادان وكلاهما لا يضادان الإرادة ، فرب مراد مكروه ، ورب مراد محبوب ، فالمعاصي مكروهة ، وهي مع الكراهة مرادة ، والطاعات مرادة وهي مع كونها مرادة محبوبة ومرضية . أما الكفر والشر ، فلا نقول إنه مرضى ومحبوب ، بل هو مراد . وقد قال الله تعالى * ( ولا يَرْضى لِعِبادِه الْكُفْرَ « 2 » فكيف يكون الفنا بالإضافة إلى محبه الله وكراهته كالبقاء ؟ فإنه تعالى يقول [ 1 ] « ما تردّدت في شيء كتردّدي في قبض روح عبدي المسلم ، هو يكره الموت وأنا أكره مساءته ، ولا بدّ له من الموت » فقوله لا بد له من الموت ، إشارة إلى سبق الإرادة والتقدير المذكور في قوله تعالى * ( نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ « 3 » وفي قوله تعالى * ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ والْحَياةَ « 4 » ولا مناقضة بين قوله تعالى
--> « 1 » البقرة 245 « 2 » الزمر 7 « 3 » الواقعة 60 « 4 » الملك 2